محمد سعيد رمضان البوطي

62

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ضرورته ، وهو ما يسمى بالتصوف عند جمهور العلماء والباحثين ، أو بالإحسان عند بعضهم ، أو بعلم السلوك عند بعض آخر كالإمام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى « 21 » . والاختلاء الذي كان يمارسه صلّى اللّه عليه وسلم قبيل بعثته كان واحدة من هذه الوسائل لتحقيق هذه الدوافع نفسها . بيد أنه لا ينبغي أن يفهم معنى الخلوة كما شذّ البعض ففهموها حسب شذوذهم ، وهو الانصراف الكلي عن الناس واتّخاذ الكهوف والجبال موطنا واعتبار ذلك فضيلة بحدّ ذاتها . فذلك مخالف لهديه صلّى اللّه عليه وسلم ولما كان عليه عامة أصحابه . إنما المراد هو استحباب اتخاذ الخلوة دواء لإصلاح الحال كما ذكرنا ، والدواء لا ينبغي أن يؤخذ إلا بقدر ، وعند اللزوم ، وإلّا انقلب إلى داء ينبغي التوقي منه . وإذا رأيت في تراجم الصالحين من استمر على الخلوة والابتعاد عن الناس ، فمردّ ذلك إلى حالة خاصة به ، وليس عمله حجة على الناس . بدء الوحي روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة تصف كيفية بدء الوحي وتقول : « أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال له اقرأ ، فقال ما أنا بقارئ ، قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال : اقرأ باسم ربّك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربّك الأكرم الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم ، فرجع بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يرجف فؤاده . فدخل على خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها فقال : زملوني ، زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلا واللّه لا يخزيك اللّه أبدا ، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، وكان ابن عم خديجة ، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل في العبرانية ما شاء اللّه أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي . فقالت له خديجة : يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا

--> ( 21 ) انظر الجزء العاشر من فتاوى الشيخ ابن تيمية رحمه اللّه ، لتجد قيمة التصوف الحقيقي عند هذا الإمام الجليل ، ولتعلم كم يفتري عليه أولئك الذين يحاولون ترويج باطلهم عن طريق إلصاقه باسمه .